فصل: تفسير الآية رقم (135):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (133):

{وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى}.
أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ اقْتَرَحُوا- عَلَى عَادَتِهِمْ فِي التَّعَنُّتِ- آيَةً عَلَى النُّبُوَّةِ كَالْعَصَا وَالْيَدِ مِنْ آيَاتِ مُوسَى، وَكَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَاقْتِرَاحِهِمْ لِذَلِكَ بِحَرْفِ التَّحْضِيضِ الدَّالِّ عَلَى شِدَّةِ الْحَضِّ فِي طَلَبِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {لَوْلَا يَأْتِينَا} [20/ 138]، أَيْ: هَلَّا يَأْتِينَا مُحَمَّدٌ بِآيَةٍ: كَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَعَصَا مُوسَى، أَيْ: نَطْلُبُ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَضٍّ وَحَثٍّ. فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [20/ 133] وَهِيَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ؛ لِأَنَّهُ آيَةٌ هِيَ أَعْظَمُ الْآيَاتِ وَأَدَلُّهَا عَلَى الْإِعْجَازِ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِأَنَّهُ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى صِحَّةِ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِدْقِهَا وَصِحَّتِهَا: كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [5/ 48] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [27] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [3/ 93] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي هُوَ الْأَظْهَرُ أَوْضَحَهُ- جَلَّ وَعَلَا- فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [29
- 51] فَقَوْلُهُ فِي الْعَنْكَبُوتِ: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [29/ 51] هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي طه:
أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى كَمَا أَوْضَحْنَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أُوتِيَ مَا آمَنَ الْبَشَرُ عَلَى مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى}.
قَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَنَّ آيَةَ طه هَذِهِ تُشِيرُ إِلَى مَعْنَاهَا آيَةُ الْقَصَصِ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [28/ 47]، وَأَنَّ تِلْكَ الْحُجَّةَ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا لَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [4/ 165].

.تفسير الآية رقم (135):

{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا}.
أَمَرَ اللَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنْ يَقُولَ لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الْآيَاتِ عِنَادًا وَتَعَنُّتًا: كُلٌّ مِنَّا وَمِنْكُمْ مُتَرَبِّصٌ، أَيْ: مُنْتَظِرٌ مَا يَحِلُّ بِالْآخَرِ مِنَ الدَّوَائِرِ، كَالْمَوْتِ، وَالْغَلَبَةِ. وَقَدْ أَوْضَحَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ مَا يَنْتَظِرُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُ خَيْرٌ، بِعَكْسِ مَا يَنْتَظِرُهُ وَيَتَرَبَّصُ الْكُفَّارُ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [9/ 52]، وَقَوْلِهِ: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} الْآيَةَ [9/ 98] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالتَّرَبُّصُ: الِانْتِظَارُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ سَيَعْلَمُونَ فِي ثَانِي حَالٍ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى. أَيْ: وُفِّقَ لِطَرِيقِ الصَّوَابِ، وَالدَّيْمُومَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ. وَالْمَعْنَى: سَيَتَّضِحُ لَكُمْ أَنَّا مُهْتَدُونَ، وَأَنَّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَأَنَّكُمْ عَلَى ضَلَالٍ وَبَاطِلٍ. وَهَذَا يَظْهَرُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا عَايَنُوا الْحَقِيقَةَ، وَيَظْهَرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَوْنَهُ مَنْ نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [25/ 42]، وَقَوْلِهِ: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} [54/ 26] وَقَوْلِهِ: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [38/ 88] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالصِّرَاطُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ. وَالسَّوِيُّ: الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ وَمَنْ فِي قَوْلِهِ مَنْ أَصْحَابُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هِيَ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ بِهِ لِ: {تَعْلَمُونَ}. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الْعِلْمِ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي مَرْيَمَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

.سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآية رقم (3):

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ (1)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ (1)}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.

.تفسير الآية رقم (3):

{لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ أَخْفَوُا النَّجْوَى فِيمَا بَيْنَهُمْ، قَائِلِينَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ؟ وَالنَّجْوَى: الْإِسْرَارُ بِالْكَلَامِ وَإِخْفَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ. وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ دَعْوَاهُمْ أَنَّ بَشَرًا مِثْلَهُمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، وَتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [17/ 94] وَقَوْلِهِ: {فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ} الْآيَةَ [64/ 6] وَقَوْلِهِ: {أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [54/ 24] وَقَوْلِهِ: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [23/ 33- 34] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} الْآيَةَ [25/ 7] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} الْآيَةَ [14/ 10]. وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوَى الْكَاذِبَةَ الَّتِي هِيَ مَنْعُ إِرْسَالِ الْبَشَرِ، كَقَوْلِهِ هُنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [21/ 7]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} الْآيَةَ [13/ 38] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [25/ 20] وَقَوْلُهُ هُنَا: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [21/ 8] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَجُمْلَةُ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ قِيلَ: بَدَلٌ مِنَ النَّجْوَى. أَيْ: أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّتِي هِيَ هَذَا الْحَدِيثُ الْخَفِيُّ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُمْ: هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. وَصَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ لِلنَّجْوَى. لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْخَفِيِّ. أَيْ: قَالُوا فِي خُفْيَةٍ: هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. وَقِيلَ: مَعْمُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: قَالُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَهُوَ أَظْهَرُهَا؛ لِاطِّرَادِ حَذْفِ الْقَوْلِ مَعَ بَقَاءِ مَقُولِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أَوْجُهٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْإِعْرَابِ مَعْرُوفَةٌ، وَأَظْهَرُهَا عِنْدِي أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: وَأَسَرُّوا بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ بَدَلَ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [3/ 97]،. فَقَوْلُهُ مَنْ بَدَلٌ مِنْ النَّاسِ: بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَهِيَ مُخَصِّصَةٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَا عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. كَمَا قَدَّمْنَا هَذَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}.
إِعْرَابُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ جَارٍ مَجْرَى إِعْرَابِ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، الَّتِي هِيَ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِحْرٌ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الزَّعْمِ الْبَاطِلِ أَنْكَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِتْيَانَ السِّحْرِ وَهُمْ يُبْصِرُونَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ تَصْدِيقَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ: لَا يُمْكِنُ أَنْ نُصَدِّقَكَ وَنَتَّبِعَكَ، وَنَحْنُ نُبْصِرُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ. وَقَدْ بَيَّنَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِحْرٌ، كَقَوْلِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [74/ 24]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [51/ 52]. وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ سِحْرٌ بِقَوْلِهِ هُنَا: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [21/ 4] يَعْنِي أَنَّ الَّذِي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الَّذِي هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، الْمُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَكَوْنُ مَنْ أَنْزَلَهُ هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ صِدْقِهِ فِي الْأَخْبَارِ وَعَدْلِهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَسَلَامَتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ، وَالنَّقَائِصِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ. وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الْآيَةَ [25/ 6] وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [4/ 166] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ بِأَلِفٍ بَعْدِ الْقَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ قُلْ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ.

.تفسير الآية رقم (5):

{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ}.
الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِضْرَابَ فِي قَوْلِهِ هُنَا: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} [21/ 5] إِلَخْ، إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ لَا إِبْطَالِيٌّ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ كُلَّهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ:
كُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي حَكَاهَا اللَّهُ عَنْهُمْ صَدَرَتْ مِنْ طَائِفَةٍ مُتَّفِقَةٍ لَا يَثْبُتُونَ عَلَى قَوْلٍ، بَلْ تَارَةً يَقُولُونَ هُوَ سَاحِرٌ، وَتَارَةً شَاعِرٌ، وَهَكَذَا؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لَا يَثْبُتُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ قَالَتْهُ طَائِفَةٌ، كَمَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إِلَى هَذَا فِي سُورَةِ الْحِجْرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [15/ 91]، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةَ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ، كَرَدِّهِ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ شَاعِرٌ أَوْ كَاهِنٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [69/ 41- 47]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [36]، وَقَوْلِهِ فِي رَدِّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ افْتَرَاهُ: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [10/ 37- 38] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [11/ 13]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [12/ 111]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَكَقَوْلِهِ فِي رَدِّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ كَاهِنٌ أَوْ مَجْنُونٌ: {فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} [52/ 29]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [81/ 22] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [34/ 46] وَقَوْلِهِ: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [23] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةِ إِبْطَالَ كُلِّ مَا ادَّعَوْهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} [21/ 5] أَيْ: أَخْلَاطٌ كَالْأَحْلَامِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَرَاهَا النَّائِمُ وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَحَادِيثُ طسم أَوْ سَرَابٌ بِفَدْفَدِ ** تَرَقْرَقَ لِلسَّارِي وَأَضْغَاثُ حَالِمِ

وَعَنِ الْيَزِيدِيِّ: الْأَضْغَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ اقْتَرَحُوا عَلَى نَبِيِّنَا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ كَآيَاتِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ؛ نَحْوِ نَاقَةِ صَالِحٍ، وَعَصَى مُوسَى، وَرِيحِ سُلَيْمَانَ، وَإِحْيَاءِ عِيسَى لِلْأَمْوَاتِ، وَإِبْرَائِهِ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِيضَاحُ وَجْهِ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ: كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ هُوَ أَنَّهُ فِي مَعْنَى: كَمَا أَتَى الْأَوَّلُونَ بِالْآيَاتِ؛ لِأَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإِتْيَانِ بِالْآيَاتِ. فَقَوْلُكَ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُعْجِزَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا لَوْ جَاءَتْهُمْ مَا آمَنُوا، وَأَنَّهَا لَوْ جَاءَتْهُمْ وَتَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مُسْتَأْصِلٍ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ صَالِحٍ لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} الْآيَةَ [17/ 59] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [6/ 109]. وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ هُنَا فِي قَوْلِهِ: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [21/ 6] يَعْنِي أَنَّ الْأُمَمَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا الْآيَاتِ مِنْ قَبْلِهِمْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِمَا اقْتَرَحُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، بَلْ تَمَادَوْا فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَأَنْتُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ عُتُوًّا وَعِنَادًا. فَلَوْ جَاءَكُمْ مَا اقْتَرَحْتُمْ مَا آمَنْتُمْ، فَهَلَكْتُمْ كَمَا هَلَكُوا. وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} [10/ 96- 97] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَبَيِّنَ أَنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ هِيَ أَعْظَمُ الْآيَاتِ، فَيَسْتَحِقُّ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِهَا التَّقْرِيعَ وَالتَّوْبِيخَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ} الْآيَةَ [29
- 51]. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [20/ 133] وَقَوْلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [21/ 8]، قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ}.
بَيِّنَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إِلَى الْأُمَمِ فَكَذَّبُوهُمْ، وَأَنَّهُ وَعَدَ الرُّسُلَ بِأَنَّ لَهُمُ النَّصْرَ وَالْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ، وَأَنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ ذَلِكَ الْوَعْدَ فَأَنْجَاهُمْ. وَأَنْجَى مَعَهُمْ مَا شَاءَ أَنْ يُنْجِيَهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ آمَنَ بِهِمْ مِنْ أُمَمِهِمْ، وَأَهْلَكَ الْمُسْرِفِينَ وَهُمُ الْكُفَّارُ الْمُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [12/ 110] وَقَوْلِهِ: {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [14/ 47] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [14/ 13- 14] وَقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [37/ 171- 173] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} الْآيَةَ [11/ 58] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} الْآيَةَ [11/ 66] وَقَوْلِهِ: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [11/ 94] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَدَقَ تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا وَبِالْحَرْفِ، تَقُولُ: صَدَقْتُهُ الْوَعْدَ، وَصَدَقْتُهُ فِي الْوَعْدِ، كَقَوْلِهِ هُنَا: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ} [21/ 9] وَقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [3/ 152] فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ كَقَوْلِهِ: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا- لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْإِسْرَافُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْمَعَاصِي كَالْكُفْرِ، وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقُ الْمُسْرِفِينَ عَلَى الْكُفَّارِ.

.تفسير الآية رقم (11):

{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ}.
{وَكَمْ} هُنَا لِلْإِخْبَارِ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وَهِيَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأَنَّهَا مَفْعُولُ: {قَصَمْنَا} أَيْ: قَصَمْنَا كَثِيرًا مِنَ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ ظَالِمَةً، وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ. وَهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ هُنَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [17/ 17] وَقَوْلِهِ: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} الْآيَةَ [22/ 45] وَقَوْلِهِ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} [65/ 8- 9] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَكَمْ قَصَمْنَا أَصْلُ الْقَصْمِ: أَفْظَعُ الْكَسْرِ؛ لِأَنَّهُ الْكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلَاؤُمَ الْأَجْزَاءِ، بِخِلَافِ الْفَصْمِ- بِالْفَاءِ- فَهُوَ كَسْرٌ لَا يُبَيِّنُ تَلَاؤُمَ الْأَجْزَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَصْمِ فِي الْآيَةِ: الْإِهْلَاكُ الشَّدِيدُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ الْحِجْرِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} الْآيَةَ [21/ 18]. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذَا، قَدْ قَدَّمْنَا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مَا يُبَيِّنُهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.

.تفسير الآيات (26-27):

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ- لَعَنَهُمُ اللَّهُ- قَالُوا عَلَيْهِ: إِنَّهُ اتَّخَذَ وَلَدًا. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بَيَانًا شَافِيًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَبَيَّنَ هُنَا بُطْلَانَ مَا ادَّعَوْهُ عَلَى رَبِّهِمْ مِنِ اتِّخَاذِ الْأَوْلَادِ- وَهُمْ فِي زَعْمِهِمُ الْمَلَائِكَةُ- بِحَرْفِ الْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ الَّذِي هُوَ بَلْ مُبَيِّنًا أَنَّهُمْ عِبَادُهُ الْمُكْرَمُونَ، وَالْعَبْدُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لِسَيِّدِهِ. ثُمَّ أَثْنَى عَلَى مَلَائِكَتِهِ بِأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَ رَبَّهُمْ بِالْقَوْلِ، أَيْ: لَا يَقُولُونَ إِلَّا مَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوهُ لِشِدَّةِ طَاعَتِهِمْ لَهُ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَبِيدُهُ وَمِلْكُهُ، وَالْعَبْدُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لِسَيِّدِهِ، أَشَارَ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ فِي الْبَقَرَةِ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [2/ 116] وَقَوْلِهِ فِي النِّسَاءِ: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [4/ 171] أَيْ: وَالْمَالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يُنَافِي الْوَلَدِيَّةَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ سِوَاهُ إِلَّا وَهُوَ مِلْكٌ لَهُ- جَلَّ وَعَلَا-.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ عَلَى مَلَائِكَتِهِ- عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ- بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [66/ 6] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [82/ 10- 12] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [21/ 19- 20] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
مَسْأَلَةٌ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَأَمْثَالِهَا فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الْأَبَ إِذَا مَلَكَ ابْنَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. فَنَفَى اللَّهُ تِلْكَ الدَّعْوَى بِأَنَّهُمْ عِبَادُهُ وَمِلْكُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُنَافَاةِ الْمِلْكِ لِلْوَلَدِيَّةِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

.تفسير الآية رقم (29):

{وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}.
الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [21/ 26] وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مَعَ كَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ لَوِ ادَّعَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ لَهُ الْحَقَّ فِي صَرْفِ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ إِلَيْهِ لَكَانَ مُشْرِكًا، وَكَانَ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَصِحُّ فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَلَا يَقَعُ، فَقَوْلُهُ: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} الْآيَةَ [43/ 81] وَقَوْلِهِ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [21/ 22] وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ أَمْرِ الشِّرْكِ. وَهَذَا الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ- جَلَّ وَعَلَا- هُنَا فِي شَأْنِ الْمَلَائِكَةِ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي شَأْنِ الرُّسُلِ، عَلَى الْجَمِيعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [39/ 65] وَلَمَّا ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- مَنْ ذَكَرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي قَوْلِهِ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ} [6/ 84] إِلَى آخَرِ مَنْ ذَكَرَ مِنْهُمْ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [6/ 88].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} الْآيَةَ [21/ 29] دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ الْخَالِصَةَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ شَيْءٌ مِنْهَا لِأَحَدٍ وَلَوْ مَلِكًا مُقَرَّبًا، أَوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [3/ 79- 80] وَقَوْلِهِ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِسَيِّدِ الْخَلْقِ- صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [3/ 64].

.تفسير الآية رقم (30):

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}.
قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ مَا عَدَا ابْنَ كَثِيرٍ: {أَوَلَمْ يَرَ} بِوَاوٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: {أَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا} بِدُونِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ مَكَّةَ. وَالِاسْتِفْهَامُ لِتَوْبِيخِ الْكُفَّارِ وَتَقْرِيعِهِمْ، حَيْثُ يُشَاهِدُونَ غَرَائِبَ صُنْعِ اللَّهِ وَعَجَائِبَهُ، وَمَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مَا لَا يَنْفَعُ مَنْ عَبَدَهُ، وَلَا يَضُرُّ مَنْ عَصَاهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ.
وَقَوْلُهُ: {كَانَتَا} التَّثْنِيَةُ بِاعْتِبَارِ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا نَوْعُ السَّمَاءِ وَنَوْعُ الْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} [35/ 41] وَنَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةَ:

أَلَمْ يُحْزِنْكَ أَنَّ جِبَالَ قِيسٍ ** وَتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعًا

وَالرَّتْقُ مَصْدَرُ رَتَقَهُ رَتْقًا: إِذَا سَدَّهُ. وَمِنْهُ الرَّتْقَاءُ، وَهِيَ الَّتِي انْسَدَّ فَرْجُهَا، وَلَكِنَّ الْمَصْدَرَ وُصِفَ بِهِ هُنَا، وَلِذَا أَفْرَدَهُ وَلَمْ يَقُلْ كَانَتَا رَتْقَيْنِ. وَالْفَتْقُ: الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْمُتَّصِلَيْنِ، فَهُوَ ضِدُّ الرَّتْقِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَهُونُ عَلَيْهِمْ إِذَا يَغْضَبُو ** نَ سُخْطُ الْعِدَاةِ وَإِرْغَامُهَا

وَرَتْقُ الْفُتُوقِ وَفَتْقُ الرُّتُوقِ ** وَنَقْضُ الْأُمُورِ وَإِبْرَامُهَا

وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالرَّتْقِ وَالْفَتْقِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ، بَعْضُهَا فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا تَدُلُّ لَهُ قَرَائِنُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ:
الْأَوَّلُ أَنَّ مَعْنَى كَانَتَا رَتْقًا أَيْ: كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مُتَلَاصِقَةً بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، فَفَتَقَهَا اللَّهُ وَفَصَلَ بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَرَفَعَ السَّمَاءَ إِلَى مَكَانِهَا، وَأَقَرَّ الْأَرْضَ فِي مَكَانِهَا، وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْهَوَاءِ الَّذِي بَيْنَهُمَا كَمَا تَرَى.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ كَانَتْ رَتْقًا، أَيْ: مُتَلَاصِقَةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَفَتَقَهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، كُلُّ اثْنَتَيْنِ مِنْهَا بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، وَالْأَرَضُونَ كَذَلِكَ كَانَتْ رَتْقًا فَفَتَقَهَا، وَجَعَلَهَا سَبْعًا بَعْضُهَا مُنْفَصِلٌ عَنْ بَعْضٍ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى كَانَتَا رَتْقًا أَنَّ السَّمَاءَ كَانَتْ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا مَطَرٌ، وَالْأَرْضُ كَانَتْ لَا يَنْبُتُ فِيهَا نَبَاتٌ، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ، وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: كَانَتَا رَتْقًا أَيْ: فِي ظُلْمَةٍ لَا يُرَى مِنْ شِدَّتِهَا شَيْءٌ، فَفَتَقَهُمَا اللَّهُ بِالنُّورِ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
الْخَامِسُ:- وَهُوَ أَبْعَدُهَا لِظُهُورِ سُقُوطِهِ- أَنَّ الرَّتْقَ يُرَادُ بِهِ الْعَدَمُ، وَالْفَتْقُ يُرَادُ بِهِ الْإِيجَادُ، أَيْ: كَانَتَا عَدَمًا فَأَوْجَدْنَاهُمَا. وَهَذَا الْقَوْلُ كَمَا تَرَى.
فَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ مِنْهَا- وَهُوَ كَوْنُهُمَا كَانَتَا رَتْقًا بِمَعْنَى أَنَّ السَّمَاءَ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا مَطَرٌ، وَالْأَرْضَ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ، وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ- قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرَائِنُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى:
الْأُولَى: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ} [21] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ فِي رَأَى أَنَّهَا بَصَرِيَّةٌ، وَالَّذِي يَرَوْنَهُ بِأَبْصَارِهِمْ هُوَ أَنَّ السَّمَاءَ تَكُونُ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا مَطَرٌ، وَالْأَرْضُ مَيِّتَةٌ هَامِدَةٌ لَا نَبَاتَ فِيهَا، فَيُشَاهِدُونَ بِأَبْصَارِهِمْ إِنْزَالَ اللَّهِ الْمَطَرَ وَإِنْبَاتَهُ بِهِ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ.
الْقَرِينَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [21]. وَالظَّاهِرُ اتِّصَالُ هَذَا الْكَلَامِ بِمَا قَبِلَهُ، أَيْ: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ بِفَتِقِنَا السَّمَاءَ، وَأَنْبَتْنَا بِهِ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ بِفَتِقِنَا الْأَرْضَ- كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.
الْقَرِينَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} [86/ 12] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّجْعِ نُزُولُ الْمَطَرِ مِنْهَا تَارَةً بَعْدَ أُخْرَى، وَالْمُرَادَ بِالصَّدْعِ انْشِقَاقُ الْأَرْضِ عَنِ النَّبَاتِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا} الْآيَةَ [80/ 24- 26].
وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَغَيْرُهُمَا؛ لِلْقَرَائِنِ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ الِاسْتِدْلَالِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِظَمِ مِنَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْبَعْثِ. وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالرَّتْقِ وَالْفَتْقِ أَنَّهُمَا كَانَتَا مُتَلَاصِقَتَيْنِ، فَفَتَقَهُمَا اللَّهُ وَفَصَلَ بَعْضَهُمَا عَنْ بَعْضٍ- قَالُوا فِي قَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَ أَنَّهَا مِنْ رَأَى الْعِلْمِيَّةِ لَا الْبَصْرِيَّةِ، وَقَالُوا: وَجْهُ تَقْرِيرِهِمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، وَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ أَمْرٌ قَطْعِيٌّ لَا سَبِيلَ لِلشَّكِّ فِيهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا ذَكَرْنَا دَلَالَةَ الْقَرَائِنِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَرَجَّحُوا هَذَا الْوَجْهَ عَلَى سَائِرِ الْوُجُوهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا وَلِلْمَاءِ تَعَلُّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْوَجْهُ مَرْجُوحٌ؛ لِأَنَّ الْمَطَرَ لَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ بَلْ مِنْ سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ سَمَاءُ الدُّنْيَا.
قُلْنَا: إِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الْجَمْعِ لِأَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْهَا سَمَاءٌ، كَمَا يُقَالُ: ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ، وَبُرْمَةٌ أَعْشَارٌ. اهـ. مِنْهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}.
الظَّاهِرُ أَنَّ جَعَلَ هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولٍ وَاحِدٍ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [24/ 45].
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمَاءُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ هُوَ النُّطْفَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُولَدُ عَنْ طَرِيقِ التَّنَاسُلِ مِنَ النُّطَفِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ الْمَاءُ الْمَعْرُوفُ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَاتِ إِمَّا مَخْلُوقَةً مِنْهُ مُبَاشَرَةً كَبَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَتَخَلَّقُ مِنَ الْمَاءِ، وَإِمَّا غَيْرَ مُبَاشِرَةٍ؛ لِأَنَّ النُّطَفَ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، وَالْأَغْذِيَةُ كُلُّهَا نَاشِئَةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَذَلِكَ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَنَحْوِهَا ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللُّحُومِ، وَالْأَلْبَانِ، وَالْأَسْمَانِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ كُلُّهُ نَاشِئٌ بِسَبَبِ الْمَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى خَلْقِهِ كُلَّ حَيَوَانٍ مِنْ مَاءٍ أَنَّهُ كَأَنَّمَا خَلَقَهُ مِنَ الْمَاءِ لِفَرْطِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ، وَقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [21/ 37] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْمَعَانِيَ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي تَأْتِي لَهَا لَفْظَةُ جَعَلَ وَمَا جَاءَ مِنْهَا فِي الْقُرْآنِ وَمَا لَمْ يَجِئْ فِيهِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ.
وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا نَصُّهُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ قَالَ: وَخَلَقْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ حَيَوَانٍ؟ وَقَدْ قَالَ: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [15/ 27] وَجَاءَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنَ النُّورِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ عِيسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} [5/ 110] وَقَالَ فِي حَقِّ آدَمَ: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [3/ 59].
وَالْجَوَابُ: اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا إِلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ الْمُخَصِّصَةَ قَائِمَةٌ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ لَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُشَاهَدًا مَحْسُوسًا؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْمَقْصُودِ. وَبِهَذَا الطَّرِيقِ تَخْرُجُ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْجِنُّ، وَآدَمُ، وَقِصَّةُ عِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. اهـ. مِنْهُ.
ثُمَّ قَالَ الرَّازِيُّ أَيْضًا: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ الْحَيَوَانُ فَقَطْ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّبَاتُ، وَالشَّجَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَاءِ صَارَ نَامِيًا، وَصَارَ فِيهِ الرُّطُوبَةُ، وَالْخُضْرَةُ، وَالنُّورُ، وَالثَّمَرُ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَلْيَقُ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَفَتَقْنَا السَّمَاءَ لِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَجَعَلْنَا مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ مِنَ النَّبَاتِ وَغَيْرِهِ حَيًّا. حُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ النَّبَاتَ لَا يُسَمَّى حَيًّا. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [30/ 50] انْتَهَى مِنْهُ أَيْضًا.